القائمة الرئيسية

الصفحات

موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة قبل عام 1948، ودورها في قيام دولة إسرائيل.

 


أ. علي سعيد عرفات، غزة

الهجرة الاولى (1882 - 1903):

نظمت هذه الهجرة جمعيات (محبي صهيون) وحركة (بيلو). ولهذه الهجرة دوافع وأسباب وهي:

أ-) تأثير نشاطات لاسامية في روسيا، أو ما يُعرف باسم (عواصف في النقب).

ب-) الاهتمام الكبير من قبل فروع جمعيات (محبي صهيون) في روسيا ورومانيا وبولندا وغيرها بتنظيم الهجرة والحث عليها.

ت-) التأثير الذي تركته كراسة المفكر اليهودي (بينسكر) (وعنوانها (التحرر الذاتي) على الشباب اليهودي في البلدان التي خرجت منها الهجرة.

ث-) الإحباط وخيبة الأمل التي أصابت المثقفين اليهود جراء ازدياد الملاحقات والمضايقات التي تعرض لها اليهود في أوروبا، ورغبة مجموعات من اليهود بإيجاد حلول مناسبة للمشكلة اليهودية، خاصة في روسيا التي تعرض فيها اليهود لأكبر كم من المضايقات والملاحقات.

اهتمت الجمعية المذكورة بوضع خطة للتنظيم الاقتصادي، مثل تقليص عدد الموظفين والمراقبين، ومنح القروض والتسهيلات الزراعية والمهنية لتطوير فرع الزراعة وما يتبعه من فروع أخرى. ونجحت هذه الجمعية في زيادة عدد المستوطنات بعد أن استولت على أراضٍ في مناطق مختلفة من فلسطين. والمستوطنات الجديدة التي أقامتها هي: تل حاي وكفار غلعادي بالقرب من المطلة في شمالي فلسطين، وكفار تابور بالقرب من جبل الطور في الجليل الشرقي وغيرها من المستوطنات.

 

الهجرة الثانية (1904 - 1914):

هاجر خلالها إلى فلسطين ما يقارب الـ 35 ألف مهاجر يهودي، غالبيتهم العظمى من روسيا.

أما خلفيات ودوافع حصولها فهي على النحو التالي:

أ-) قرار المؤتمر الصهيوني السابع العام 1905 الذي أعلن الغاء مشروع اوغندا بالتمام.

ب-) تأثير موت هرتسل المفاجىء العام 1904 على قضية اليهود وعلاقاتهم داخل المجتمعات الاوروبية ومع السلطات السياسية في هذه المجتمعات نفسها.

ت-) ازدياد حدّة الاضطرابات والمضايقات ضد اليهود في روسيا بشكل خاص، وانطلاقة هذه المضايقات من كيشنييف بالتحديد.

ث-) دب في قلوب ونفوس الشباب اليهودي اليأس من فشل الثورة التي حصلت في روسيا العام 1905، وليس هذا فحسب بل لجوء القيصر الروسي نيقولاي الثاني إلى اتباع أساليب الشدة والمضايقات مع اليهود متهماً إياهم بالمشاركة الفعالة في الثورة المذكورة، ووقوفهم إلى جانب الثوار الهادفين إلى قلب نظام الحكم وزعزعة أركان السلطة.

ج-) تطور طرق المواصلات والنقل إلى فلسطين، وذلك في أعقاب مدّ شبكة من سكك الحديد في أرجاء الامبراطورية العثمانية، وتحسين طرق المواصلات البرية فيها كذلك، وهذا التطور والتحسين شجع اليهود على الهجرة إلى فلسطين.

ساهمت الهجرة الثانية في إبراز عدة انجازات بالمنظور الصهيوني، منها: (احتلال العمل)، أي تحويل العمل للأيدي اليهودية بدلاً من تشغيل العرب. وكان لهذا الانجاز مفهوم عقائدي، نابع من الخلفية الاشتراكية التي نشأ عليها أبناء هذه الهجرة قبل هجرتهم إلى فلسطين. وتدعو هذه العقيدة إلى قلب المفهوم الشائع في أن اليهود هم رأسمال اقتصادي فقط، وأنهم ليسوا منتجين بأنفسهم. واعتقد المهاجرون أنه باستطاعتهم إثبات أن اليهودي الطلائعي بإمكانه الارتباط بالأرض وأن يصبح منتجاً ومكوناً لنفسه بقواه الذاتية.

حققت هذه الهجرة نجاحاً آخرا وهو تطبيق مبدأ (احتلال الحراسة).

أما النجاح الثالث الذي حققته هذه الهجرة فكان (تطوير الاقتصاد والمدن

ولا شك في أن النجاح الأخير كان مهماً للمشروع الصهيوني حيث نمت وترعرعت اللغة العبرية بعد أن كانت لغة شبه ميتة وكذلك أصبح بالامكان تطوير التراث الفكري اليهودي وإعادة إحياء الأدب العبري بكافة أشكاله، وتصدر هذا الأمر اليعيزر بن يهودا باعث ومحيي اللغة العبرية في العصر الحديث، وهو نفسه رفع شعار (ثلاثة أمور منحوتة بحروف نارية على راية القومية: الأرض واللغة القومية والثقافة القومية).

وهذا الشعار كان دافعاً ومحفزاً لتأسيس عشرات من المدارس والمؤسسات التربوية والتعليمية اليهودية في عدة مواقع في فلسطين.

 

الهجرة الثالثة (1919 - 1923):

معظم مهاجري هذه الهجرة كانوا من مناطق في شرق ووسط أوروبا. وأمّا أسباب ودواعي تنظيم هذه الهجرة فهي كما يلي:

أ-) ازدياد الآمال في الأوساط اليهودية لإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين إثر إعلان تصريح بلفور في الثاني من شهر تشرين الثاني العام 1917.

ب-) انهيار الامبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، ومجيء الاحتلال البريطاني، ما قوى الآمال اليهودية والصهيونية بتحقيق فكرة إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين.

ت-) استمرار عمليات الملاحقات ضد اليهود في بعض المناطق الاوروبية، وخاصة في بولندا ورومانيا والاتحاد السوفييتي.

ث-) النشاطات التي قامت بتنفيذها حركة الطلائعيين (هحالوتس) والتي قام بتنظيمها يوسف ترومبلدور.

 

الهجرة الرابعة (1924 - 1928):

عادت الهجرة اليهودية إلى التجدد في الفترة المذكورة في أعقاب تحسن الظروف والأحوال الاقتصادية في فلسطين. فهاجر إلى فلسطين أكثر من سبعين ألف يهودي، بقي منهم اثنان وخمسون ألفاً، أما البقية فعادوا إلى موطنهم الأصلي أو انتقلوا إلى بلاد أخرى. نصف المهاجرين الذين قدموا في هذه الهجرة كانوا من بولندا والنصف الثاني من روسيا ورومانيا واليمن والعراق. وكان جزء كبير من أبناء هذه الهجرة من الطبقة الوسطى، أي رجال صناعة وتجارة وأصحاب حرف ومهن متنوعة. وجلب المهاجرون معهم عائلاتهم وبعض حاجاتهم، ولم يتم تحضيرهم من قبل، ولهذا واجهوا صعوبات كثيرة واعترضت طريق حياتهم عقبات جمة، لم يكن من السهل ايجاد حلول لهم، خاصة وأن رياح الأزمة الاقتصادية العالمية أخذت تهب من الغرب، وبالتحديد من الولايات المتحدة الاميركية.

لقد آمن أبناء هذه الهجرة بضرورة الوصول إلى تحقيق مصالحهم الشخصية والخاصة، فاصطدموا برجال التيار الاشتراكي والتعاوني، لهذا لم ينظر رجال الهجرة الثالثة بعين الرضى والارتياح إلى مهاجري الهجرة الرابعة لأنهم مغايرون لهم من حيث التطبيق العملي لأُسس الحياة في فلسطين.

ساهمت الهجرة الرابعة في زيادة عدد السكان اليهود في مختلف المدن، وكان التركيز على أول مدينة عبرية، ألا وهي تل ابيب، إذ ارتفع عدد سكانها من 16 ألفا إلى حوالي أربعين ألفا خلال مدة زمنية قصيرة للغاية، فجرى تطوير للشوارع والطرقات الداخلية في المدن وبين المدن والمستوطنات، وإقامة مبانٍ جديدة وفتح مؤسسات تعليمية جديدة كالمدارس، وإقامة مجمعات تجارية كبيرة في المدن العبرية أو المختلطة مثل القدس وحيفا. وتم أيضاً تطوير المنشآت الصناعية مثل حصول بنحاس روطنبرغ على امتياز الكهرباء في فلسطين، مما سهل تزويد كل المستوطنات والمدن العبرية بالكهرباء، وبوجود الكهرباء أصبح من اليسير إقامة المصانع على أنواعها وتوفير رأس المال لتحقيق ذلك، فأُقيمت مصانع الغزل والنسيج وصناعات الأغذية والمواد الطبية والصحية والأثاث، وتم توسيع مساحات الأراضي المخصصة لزراعة الحمضيات لتنافس الحمضيات الهربية المعروفة بجودتها في فلسطين وبالتحديد في يافا. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مستوطنات الساحل اليهودية قد ازدادت نتيجة لبناء المدن العبرية على طول بعض أجزاء الساحل الفلسطيني.

الهجرة الخامسة (1929 - 1939) :

وصل إلى فلسطين خلال هذه الهجرة ما يقارب 280 ألف مهاجر يهودي، وكانت غالبيتهم من يهود تعرضوا إلى ملاحقات من قبل النازية، أو أنهم خافوا من أعمال النازيين تجاههم فقرروا الهجرة إلى فلسطين.

ونظرة على الأسباب والدوافع نلاحظ ما يلي:

أ-) صعود الحزب النازي إلى سدة الحكم في المانيا وإعلانه - أي الحزب - عن رغبته في فرض أنظمة تطهير ضد شعوب غير المانية كان أحد عوامل تشجيع الهجرة إلى فلسطين.

ب-) استمرار ملاحقة واضطهاد يهود في بعض دول اوروبا الشرقية مثل بولندا وهنغاريا.

ت-) استمرار المؤسسات الصهيونية واليهودية في التشجيع على الهجرة إلى فلسطين والتحضير الاساسي لتحقيق الهجرة في الوقت المناسب لها.

ث-) كان للسلطات الانتدابية البريطانية مساهمة مباشرة أو غير مباشرة في تشجيع الهجرة بواسطة تسهيل عمليات إقامة المستوطنات اليهودية بعد أن تتم عملية شراء الأراضي أو الاستيلاء عليها لهذه الغايات وتحضير المستوطنات لاستيعاب اليهود المهاجرين من أوروبا إلى فلسطين.

والملاحظ أن زيادة كبيرة حصلت في عدد سكان المدن الرئيسية من جراء هذه الهجرة مثل تل ابيب ويافا، بحيث ازداد عدد السكان فيها أكثر من ثلاثة أضعاف، ويعود السبب في وقوع هذه الزيادة إلى ان طبيعة مهاجري هذه الهجرة انهم من سكان مدن جاؤوا، لذلك فضلوا العيش في مدن.

والملاحظ أيضا أن عدد اليهود العاملين في الأشغال الصعبة والزراعية أخذ بالتناقص، ولم يكن أمام اليهود أية إمكانية سوى تشغيل العمال والمزارعين العرب في مصالحهم.

والملاحظ أيضاً أنه في فترة هذه الهجرة أُقيمت مصانع كثيرة تابعة لشركات يهودية أو لأشخاص يهود، مثل مصنع (آتا) للملابس، وإقامة مستوطنات جديدة مثل رشفون وكفار هزوريع وكفار هيس وغيرها.

وانتهت هذه الهجرة عملياً مع بداية الحرب العالمية الثانية، وفرض السلطات الانتدابية البريطانية أحكام الطوارىء في كل أنحاء فلسطين.

Reactions:

تعليقات